عبد الملك الجويني

282

نهاية المطلب في دراية المذهب

والقول الثالث - الفصلُ بين ما علمه ، وبين ما لم يعلمه . فما علمه لم يصحّ البراءةُ فيه ؛ لأنه بكتمانِه ، وتركِ ذِكره منتسِبٌ إلى التدليس ، والتدليسُ محرَّمٌ ، فلا يستحق صاحبُه حطَّ الخيارِ عنه . والتوجيه مستقصى في الخلاف . ونحن نذكرُ منه ما يتعلّقُ بترتيبِ المذهب . فأما من قال : إنّ البراءة لا تصح ، فمعتمده شيئان : أحدُهما - أن خيارَ الردّ بالعيب يثبت شرعاً في مقتضى العقد ، فشرطُ نفيهِ تغييرٌ لموجَب الشرع ، والثاني - أن العيوبَ الممكنةَ مجهولة ، فلئن كانت البراءة من المرافق ، فلتكن معلومةً كخيار الشرط ، والأجَل ، والرهن ، والكفيل . ومن قالَ بصحة البراءة على العموم ، فوجهه أن الشرط يتضمن إسقاطَ حقٍّ ، وفي إسقاطه استفادةُ لزومِ العقد . ومن فصَّل ، استدَلَّ بمذهب عثمانَ ، أولاً ، وأشار إلى ما ذكرناه من الانتساب إلى التدليس في صورة العلم . ثم من يسلك طريقةَ الأقوال يستدل بأن الشافعي أشار إلى الأثر والقياس ، ومذهبُه في القديم اتباعُ الأثرِ ، وتركُ القياس له . وهذا يخالف رأيَه في الجديد . فإن قال قائل : لم يبد [ نكيراً ] ( 1 ) على عثمانَ ، فمذهبه في الجديدِ أنه لا يُنْسَب إلى ساكت قول . ومن أصحابنا من قالَ : مذهب الشافعي هو التفصيل الموافق لمذهبِ عثمانَ ، وقد صَرَّح بذلك في صدر الباب . وما ذكرهُ في آخر الباب إشارةٌ إلى وجهِ القياس ، وليس مذهباً له .

--> ( 1 ) في النسخ الثلاث ( نكير ) بالرفع . ولم أصل إلى العبارة محكية عن الإمام في مظانها من شرح المهذب ، ولا في فتح العزيز ، ولا في روضة الطالبين ، مع طول بحثي . ولأن النسخ الثلاث اتفقت على ( نكير ) بالرفع ، حاولت أن أجد لها توجيهاً فلم يظهر لي شيء . ولكن الأقربَ ، والأوفق للسياق ، أن " نكيراً " مفعول به ، والمعنى أن الشافعي لم يبدِ اعتراضاً على قضاء عثمان ، وهذا معناه إقرار هذا الفضاء ، واتخاذه مذهباً . فكيف ينسب إلى الشافعي قولٌ آخر ! ! وأجيب بأن الساكت لا ينسب إليه قول ، فلا يلزم من سكوته أن ينسب إليه قولاً يوافق قضاء عثمان ، والله أعلم بالصواب .